محمود توفيق محمد سعد
224
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
كأنّ المعاني يتعاطف بعضها على بعض ، كتعاطف الأم الرءوم على وليدها أو الحبيب على حبيبه ، فالعلائق قائمة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وليس في الحياة ما يعطف على شيء ليست له به علقة ، فكذلك الأمر في عالم البيان من أنّه عالم الإنسان ، تتقارب المناهج والمذاهب ومعالم الجمال في كلّ . من العلائق ما هو من التناظر ، ومنه ما هو من التناصر ومنه ما هو من التعاطف ، فعلائق المعاني تتنوع وتتنوع أدواتها ، ولو أنّا نظرنا في المصطلح البلاغي واللغوي في مجال علاقات المعاني ببعضها لنرى ما بينها من فروق دلالية وما بينها من تنوّع وما تتلاقى عليه لكان في هذا إثراء لفقه علائق البيان ، فنختار لكل ضرب من ضروب العلائق بين المعاني مصطلحه الأخص به والأشكل . المهم أنّ " البقاعيّ " ينقل عن " الحرالّيّ " : " أنّ في كلّ آية معنى تنتظم به بما قبلها ومعنى تتهيّا به للانتظام بما بعدها ، وبذلك كان انتظام الآي داخلا في معنى الإعجاز الذي لا يأتي الخلق بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " « 1 » ومن ثمّ فإنّا نرى البقاعي يجعل النظم في البيان القرآني نظمين : نظما تركيبيّا ونظما ترتيبيّا ، يقول : " إنّ للإعجاز طريقين : أحدهما نظم كلّ جملة على حيالها بحسب التركيب والثاني : نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب والأول أقرب تناولا ، وأسهل ذوقا ، فإنّ كلّ من سمع القرآن . . . يهتز لمعانيه وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط ورهبة مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره ، وكلّما دقّق النّظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز ، ثمّ إذا عبر الفطن من ذلك إلى تأمل ربط كلّ جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه ذلك ورأى أنّ الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد ، فظنّ أنّها متنافرة ، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما حصل له بالسماع من الهزّ والبسط . . . فإذا استعان باللّه سبحانه وتعالى وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل ، وإظهار العجز والوثوق بأنّه في الذروة من أحكام الربط ، كما كان في الأوج من حسن المعنى واللفظ ، لكونه كلام من جلّ عن شوائب النقص ، وحاز صفات الكمال إيمانا بالغيب ، وتصديقا للربّ قائلا ما قال الراسخون في
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 234